في مشاريع البناء، يُفترض أن توفّر سجلات الموقع اليومية توثيقًا دقيقًا وموضوعيًا لما يحدث في الموقع يومًا بيوم. إلا أن الواقع العملي يُظهر أن العديد من الفرق لا تزال تعتمد على دفاتر ورقية، أو ملفات إكسل، أو مراسلات عبر تطبيقات المراسلة، أو تقارير تُستكمل في نهاية اليوم بعد انتهاء الأعمال.
هذه الأساليب لم تعد قادرة على مواكبة حجم وتعقيد المشاريع الحديثة في الإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية. ونتيجة لذلك، تظهر فجوات واضحة في التقارير اليومية، حيث يتم فقدان معلومات مهمة، أو تسجيلها بشكل غير متسق، أو توزيعها عبر أنظمة وأدوات غير مترابطة.
في هذا السياق، بدأت سجلات الموقع الرقمية تلعب دورًا محوريًا في معالجة هذه التحديات، من خلال توفير نهج منظم وفوري لتوثيق الأنشطة اليومية، يتماشى مع طبيعة العمل الفعلية في مواقع البناء.

لماذا تفشل سجلات الموقع التقليدية في مشاريع البناء
تم تصميم سجلات الموقع التقليدية لبيئات مشاريع أبسط بكثير. أما اليوم، فإن مشاريع البناء تتسم بتعدد المقاولين من الباطن، وضغط الجداول الزمنية، وارتفاع متطلبات الامتثال التنظيمي، مما يجعل الأساليب اليدوية غير كافية.
غالبًا ما يتم استكمال السجلات الورقية بعد انتهاء الأعمال، وأحيانًا بعد أيام، عندما تصبح التفاصيل غير واضحة. كما تختلف طريقة التوثيق من مشرف لآخر، مما يؤدي إلى عدم الاتساق. وتُحفظ الصور، وملاحظات الفحص، وبيانات القوى العاملة، وملاحظات السلامة في رسائل بريد إلكتروني أو أجهزة شخصية، مما يصعّب الرجوع إليها لاحقًا.
وتزداد هذه التحديات بسبب تعدد الجنسيات، واختلاف اللغات، وتعقيد سلاسل الموافقات. وبدون نظام موحد ومركزي، تصبح التقارير اليومية مجزأة، ويضعف الإشراف، وترتفع المخاطر التشغيلية والقانونية.
التكلفة الحقيقية لفجوات التقارير اليومية في البناء
فجوات التقارير اليومية لا تؤثر فقط على إعداد التقارير، بل تنعكس مباشرة على أداء المشروع. عندما تكون السجلات غير مكتملة أو غير واضحة، يواجه مديرو المشاريع صعوبة في التحقق من نسب الإنجاز، أو تأكيد التعليمات، أو تحديد المسؤوليات بدقة.
غالبًا ما يؤدي ذلك إلى خلافات حول أوامر التغيير، وتأخير في الموافقات، وتعقيدات أثناء مطالبات التعويض. وتُظهر دراسات متخصصة أن ضعف إدارة المعلومات والبيانات المجزأة يُعد من الأسباب الرئيسية لتجاوز الميزانيات وتأخير تسليم المشاريع.
من ناحية الامتثال، تؤدي السجلات اليومية الضعيفة إلى زيادة المخاطر خلال عمليات التدقيق والمراجعة التنظيمية، خاصة في مجالات السلامة، والجودة، والحماية من الحريق، حيث يُطلب تقديم أدلة موثقة ومؤرخة بدقة.
ما هي سجلات الموقع الرقمية في قطاع البناء؟
سجلات الموقع الرقمية تمثل بديلًا متطورًا للسجلات التقليدية، حيث يتم توثيق الأنشطة اليومية بشكل فوري ومباشر من الموقع نفسه، بدلًا من تلخيصها لاحقًا.
باستخدام الأجهزة المحمولة، يمكن لفرق الموقع تسجيل تقدم الأعمال، ونتائج الفحوصات، وحضور القوى العاملة، والظروف الجوية، والحوادث اليومية. يتم ختم كل إدخال بالوقت والتاريخ، وربطه بموقعه على المخططات ثنائية الأبعاد أو نماذج BIM، مع دعم الصور، والفيديوهات، والملاحظات الصوتية. وبذلك، يتم إنشاء سجل موثوق يعكس ما حدث فعليًا في الموقع، وليس ما تم تذكره لاحقًا.
تحسين الدقة والمساءلة داخل الموقع
من أهم مزايا سجلات الموقع الرقمية توحيد أسلوب التوثيق. فالنماذج الرقمية تضمن تسجيل نفس البيانات يوميًا عبر جميع المشاريع، مع تقليل احتمالية نسيان المعلومات أو اختلاف الصياغة.
كما تعزز هذه السجلات مبدأ المساءلة، إذ يرتبط كل إدخال بمستخدم محدد وتوقيت واضح، مما يسهل تتبع القرارات والمسؤوليات. وفي مشاريع الخليج الكبيرة، حيث تتداخل مهام عدة مقاولين من الباطن، تُعد هذه الشفافية عنصرًا أساسيًا للحفاظ على السيطرة.
تعزيز الامتثال وحماية المشاريع في المطالبات والنزاعات
تلعب سجلات الموقع الرقمية دورًا مهمًا في دعم المشاريع أثناء النزاعات أو مطالبات التعويض. فالسجل الزمني المستمر يوفر أدلة جاهزة حول ما تم تنفيذه، ومتى، وتحت أي ظروف.
الصور المؤرخة، وتقارير الفحص، وسجلات التقدم اليومية تشكل أساسًا موضوعيًا يمكن الاعتماد عليه خلال النزاعات التعاقدية. وفي بيئة تنظيمية صارمة مثل دول الخليج، أصبحت هذه الدرجة من التوثيق ضرورة وليست خيارًا.
تحسين الإشراف على المشاريع متعددة المواقع
تدير العديد من شركات البناء بدول الخليج مشاريع متعددة في وقت واحد، وغالبًا في مدن أو مناطق مختلفة. تتيح سجلات الموقع الرقمية للإدارة العليا متابعة الأنشطة اليومية عن بُعد، دون الاعتماد على مكالمات هاتفية أو تقارير متأخرة.
ومن خلال مراجعة الإدخالات اليومية والمواد المرئية الداعمة، يحصل أصحاب القرار على رؤية واضحة لحالة المشاريع، مما يقلل الحاجة إلى الزيارات الميدانية المتكررة مع الحفاظ على مستوى عالٍ من الإشراف.
من سجلات يومية إلى رؤى تشغيلية قابلة للتنفيذ
مع مرور الوقت، تتحول سجلات الموقع الرقمية من مجرد توثيق يومي إلى مصدر غني للبيانات. إذ تسمح السجلات المتسقة بتحليل الاتجاهات المتعلقة بالإنتاجية، والسلامة، والجودة، والتأخيرات.
ويمكن لفرق المشاريع استخدام هذه البيانات لتقييم أداء المقاولين من الباطن، واكتشاف المشكلات المتكررة، وتحسين التخطيط في المشاريع المستقبلية. ويتماشى هذا النهج القائم على البيانات مع توجهات القطاع نحو التنفيذ الرقمي والانضباط التشغيلي.
سد فجوة التقارير اليومية في مشاريع البناء
نادرًا ما تكون فجوات التقارير اليومية ناتجة عن تقصير من فرق الموقع، بل غالبًا ما تعود إلى استخدام أدوات لم تعد مناسبة لواقع المشاريع الحديثة. تعالج سجلات الموقع الرقمية هذه المشكلة من خلال نهج عملي يركز على الموقع نفسه.
في مشاريع البناء بدول الخليج، حيث تتطلب المشاريع سرعة التنفيذ، والشفافية، والامتثال الصارم، أصبحت سجلات الموقع الرقمية عنصرًا أساسيًا لإدارة المشاريع بكفاءة. ومن خلال توثيق المعلومات بدقة ومن المصدر، يمكن للفرق تقليل المخاطر، وتحسين التحكم، وضمان انتقال سلس من التنفيذ إلى التسليم النهائي.